كان الشاعر في القرون السابقة لسان حال قبيلته والمتحدث الإعلامي باسمها , ولاتخلو قصائد الشعراء من الفخر بقبائلهم وتصل أحيانا الى المبالغة المقيتة , ومن أشهر الأمثلة على ذلك معلقة
عمرو بن كلثوم الشاعر الجاهلي المشهورة والتي مطلعها :ألا هبي بصحنك فاصبحينا ……… ولاتبقي خمور الأندرينا
وقد احتفلت قبيلة بني تغلب بالقصيدة , وحفظتها وتوارثتها جيل عن جيل وتناقلتها رواتهم مما حدا بأحد الشعراء الى هجائهم بسبب ذلك بأبيات منها :
ألهى بني تغلب عن كل مكرمة …… قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يروونها أبدا مذ كان أولهم …….. ياللرجال لشعر غير مسئوم
ومع هذا الفخر الذي انتهجه أغلب الشعراء الا أن هناك بعض الشعراء الفوارس من لم ينس مع فخره بقبيلته مدح اعدائه وبيان شدتهم وشجاعتهم وقالوا قصائد سميت ( المنصفات ) .
ورد في شرح الأصمعيات أن ( المنصفات هي القصائد التي أنصف قائلوها فيها أعداءهم , وصدقوا عنهم وعن أنفسهم فيما اصطلوه من حر اللقاء , وفيما وصفوه من أحوالهم من أمحاض الإخاء ) . وقال البغدادي في خزانة الأدب قريبا من ذلك .
ويعتبر هذا الفعل أقرب الى الرجولة والفروسية فانتقاص الخصم يعتبر انتقاصا للمدوح حيث تنعدم الفروسية حين يكون النصر على خصم ضعيف , كما أن الحرب سجال فليس عيباُ أن ينتصر الفارس يوماُ وينهزم يوماُ آخر .
ويروى أن أول من أنصف في شعره المهلهل بن ربيعة الذي يذكر له الأصمعي قصيدة قالها يوم عنيزة في حربهم مع بكر؛ يقول فيها:
غَداةَ كَأَنَّنا وَبَني أَبينا …….. بِجَنبِ عُنَيزَةٍ رَحيا مُديرِ
كَأَنَّ الجَديَ، جَديَ بَناتِ نَعشٍ ……… يَكُبُّ عَلى اليَدَينِ بِمُستَديرِ
وَتَخبو الشُّعرَيانِ إِلى سُهَيلٍ ……… يَلوحُ كَقِمَّةِ الجَبَلِ الكَبيرِ
وَكانوا قَومَنا فَبَغَوا عَلَينا ………. فَقَد لقَّاهُمُ لَفَحُ السَعيرِ
وهناك من الشعراء الذين أنصفوا خصومهم العباس بن مرداس السلمي ، وعوف بن الأحوص، وخداش بن زهير ,وعنترة بن شداد العبسي ودريد بن الصمة وغيرهم .
يقول العباس بن مرداس السلمي في قصيدته السينية التي ينصف فيها بني مراد قوم عمرو بن معديكرب الزبيدي يوم تثليث حيث غزت سليم مع العباس بن مرداس مراداً فجمع لهم عمرو بن معديكرب فالتقوا بتثليث فصبر الفريقان ولم تظفر طائفة منهم بالأخرى , وفي ذلك يقول العباس قصيدته التي مطلعها :
لأسماء رسمٌ أصبح اليوم دارسا ……. وأقفر منها رحرحان فراكسا
ثم يقول :
سمونا لهم تسعا وعشرين ليلة ……… نجوب من الأعراض فقراً بسابسا
فبتنا قعودا في الحديد وأصبحوا …….. على الركبات يحردون الأنافسا
فلم أر مثل الحي حيا مصبحا ………. ولامثلنا لما التقينا فوارسا
أكر وأحمى للحقيقة منهم ……….. وأضرب منا بالسيوف القوانسا
وأحصننا منهم فما يبلغوننا ……….. فوارس منا يحبسون المحابسا
إذا ماشددنا شدة نصبوا لها ……….. صدور المذاكي والرماح المداعسا
ثم يقول :
ولو مات منهم من جرحنا لأصبحت ………. ضباع بأكناف الأراك عرائسا
ولكنهم في الفارسي فلا ترى ………… من القوم الا في المضاعف لابسا
ومن المنصفات قصيدة
عوف بن الأحوص التي يعترف فيها بهزيمة قومه أمام كنانة وبكر وقريش، يقول فيها:أُتيحَت لَنا بَكرٌ وَتَحتَ لِوائِها …….كَتائِبُ يَرضاها العَزيزُ المَفاخِرُ
وَجاءَت قُرَيشٌ حافِلينَ بِجَمعِهِم …… وَكانَ لَهُم، في أَوَّلِ الدَهرِ، ناصِرُ
وَكانَت قُريشٌ لَو ظَهَرنا عَلَيهِمُ …….. شِفاءً لِما في الصَدرِ وَالبُغضِ ظاهِرُ
حَبَت دونَهُم بَكرٌ فَلَم نَستَطِعهُم ……… كَأَنَّهُمُ بِالمَشرَفِيَّةِ سامِرُ
وَما بَرِحَت بَكرٌ تَثوبُ وَتَدَّعي ………. وَيَلحَقُ مِنهُم أَوَّلونَ وَآخِرُ.
ويقول خداش بن زهير العامريّ يصف حربهم مع خصومهم :
فجاؤوا عارضاً برِداً، وجئنا ………. كما أضرمت في الغاب الوقودا
تنادوا: يا لعمروٍ لا تفرّوا ………. فقلنا: لا فرار ولا صدودا
فعاركنا الكماة، وعاركونا ……….. عراك النمرِ واجهت الأسودا.
وهذه قصيدة للشاعر عبد الشارق بن عبد العزى الجهني عندما تقابل قومه مع ردينة وقد ذكر فيها شدة الحرب وشدة بأس خصومهم كما أشار الى عدم غدرهم برسول ردينة ( والذي ارسلوه يستطلع أخبارهم ) وعدم غدر ردينة برسولهم :
ألا حييتِ عنّا يا رُدينا …………….. نحييها وإن كرُمت علينا
ولأبي الفرج الأصفهاني في كتابه (الأغاني)

















